اللمبي بيتحرق.. من احتجاج على نفي سعد زغلول إلى طقس شم نسيم في بورفؤاد

  • منذ 8 ساعات
  • الشروق
Loading image...
في كل عام، ومع قدوم شم النسيم، تتزين الشواطئ وتُفرش الحدائق وتعلو ضحكات المصريين احتفالًا بعيد الربيع. لكن في مدينة بورفؤاد، يأخذ الاحتفال منحى مختلفًا، إذ تتحول المناسبة إلى مشهد استثنائي تتصاعد فيه ألسنة اللهب حول دمية تُعرف باسم "اللمبي".

عادة تبدو للوهلة الأولى غريبة، لكنها تحمل في جذورها حكاية ممتدة من زمن الاحتلال إلى يومنا هذا.
قصة حريق اللمبي في بورفؤاد

تعود الحكاية إلى أكثر من قرن، وتحديدًا إلى عام 1925، حين غادر مصر المندوب السامي البريطاني إدموند هنري هاينمان ألنبي، الذي أطلق عليه أهالي المدينة اسم "اللمبي".

في يوم رحيله، لم يكن الوداع تقليديًا. صنع الأهالي دمية كبيرة تحمل اسمه، وألبسوها زيًا عسكريًا يشبه زيه، ثم أشعلوا فيها النيران، في مشهد رمزي يعكس غضبًا متراكمًا بسبب دوره في قمع الحركة الوطنية، وعلى رأسها ما تعرض له الزعيم سعد زغلول ورفاقه.
بداية الحكاية.. من النفي إلى الغضب الشعبي

تبدأ جذور هذه العادة قبل ذلك بسنوات، حين ألقى "أللنبي" القبض على سعد زغلول عقب اندلاع ثورة 1919، وقرر نفيه إلى خارج البلاد عبر ميناء بورسعيد، بحسب ما أورده المؤرخ البورسعيدي ضياء الدين القاضي.

في ذلك اليوم، احتشد الأهالي لتوديع زعيمهم، لكن قوات الشرطة منعتهم. لم يتراجع البورسعيدية، بل كسروا الحصار بقيادة الشيخ يوسف أبو العيلة أمام الجامع التوفيقي، والقمص ديمتري يوسف راعي كنيسة العذراء، واندلعت اشتباكات مع الإنجليز وبوليس القناة، سقط خلالها 7 شهداء وأُصيب المئات، في يوم الجمعة 21 مارس 1919.

لاحقًا، ومع هبوب رياح الخماسين، ربط الأهالي بين أجواء التوتر وعادة يونانية قديمة، فصنعوا دمية من القش تحاكي "أللنبي"، وحاولوا إحراقها، لكن الاحتلال منعهم. لم يستسلموا، وعادوا فجر اليوم التالي ليشعلوا النار في الدمية بشارع محمد علي، الفاصل بين الحي العربي والإفرنجي، لتولد بذلك واحدة من أغرب العادات الشعبية.
من واقعة احتجاج إلى طقس سنوي

في 25 يونيو 1925، ومع رحيل "أللنبي" رسميًا من مصر عبر ميناء بورسعيد، كان الأهالي على موعد مع تكرار المشهد. دمية أكبر، ونار أعلى، ورسالة أوضح. حتى إن من شهدوا الواقعة أكدوا أن ألسنة اللهب كانت مرئية من الميناء، وشاهدها "أللنبي" وزوجته قبل مغادرته.

ومنذ ذلك الحين، تحولت الواقعة إلى طقس سنوي، يتجدد مع كل شم نسيم، حيث يحرص الأهالي على إعادة إحياء المشهد ذاته، وكأن الذاكرة الشعبية ترفض أن تُطفأ.
تحذيرات حديثة.. بين التراث والخطر

ورغم استمرار العادة لأكثر من قرن، بدأت في السنوات الأخيرة تواجه تحذيرات رسمية بسبب مخاطرها البيئية.

فقد ناشدت سمر الموافي، رئيس مجلس مدينة بورفؤاد، الأهالي الامتناع عن إشعال النيران في دمية "اللمبي" أو إطارات السيارات خلال الاحتفالات، لما تسببه من انبعاثات ضارة وسحب دخان كثيفة تؤثر على الصحة العامة، فضلًا عن مخاطرها على شبكات البنية التحتية مثل الغاز الطبيعي والكهرباء.

وأكدت، في بيان، جاهزية الأطقم الفنية ومعدات إدارة النقل الميكانيكي للتعامل مع أي طوارئ، بالتنسيق مع أقسام الشرطة، وشرطة المرافق، والمرور، والحماية المدنية، وهيئة قناة السويس.

هكذا، تبقى "اللمبي" في بورفؤاد أكثر من مجرد دمية تُحرق؛ إنها حكاية مقاومة تحولت إلى طقس، وذاكرة شعبية تتجدد كل ربيع، بين نار الماضي وأسئلة الحاضر.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر