تنسب الأسطورة أصل هذا الفن إلى طائر النار الذي كافأ فلاحا أطعمه، فحوّل وعاءه الخشبي العادي إلى وعاء ذهبي. أما اسم الحرفة فمستمد من قرية خوخلوما في منطقة نيجني نوفغورود، رغم أن هذا الأسلوب لم ينشأ فيها فعليا، بل في قرى منطقة زافولجي شرق نهر الفولغا، وعلى ضفاف نهر أوزولا تحديدا، وأبرزها كوفيرنينو التي تُعد مهد هذا الفن حتى اليوم وينعكس ذلك في شعارها الرسمي. لاحقا، شكّل الحرفيون نقابات "أرتيل" لإنتاج سلع خوخلوما بشكل جماعي، فيما بقيت خوخلوما نفسها سوقا شهيرا تعرض فيه منتجات القرى المحيطة.
وتُعد الأواني والملاعق المزينة بأسلوب خوخلوما من أشهر رموز الحرف الروسية، وإن تحولت اليوم في الغالب إلى مقتنيات تذكارية أكثر من كونها أدوات للاستخدام اليومي.
فنّ وُلد في الغابات هربا من الاضطهاد
يعود أصل الحرفة إلى القرن السابع عشر، حين كانت الغابات الكثيفة والمستنقعات الوعرة في منطقة نوفغورود ملاذا للفلاحين والجنود الفارين. وبعد إصلاحات البطريرك نيكون التي غيّرت الطقوس الأرثوذكسية لتتماشى مع الطقوس اليونانية المعاصرة، لجأ إلى هذه المناطق أتباع "المؤمنين القدامى" الذين رفضوا الإصلاحات وتعرضوا للاضطهاد.
حمل هؤلاء معهم سرّ تذهيب وتلوين الأغطية المعدنية المزخرفة للأيقونات، ونُقلت هذه التقنية لاحقا إلى أدوات المائدة الخشبية بمساعدة حرفيين متخصصين في الخراطة والنحت.
ويصف الفنان الروسي المنحدر من عائلة من رسامي خوخلوما، نيقولاي غوشتشين، تلك الحقبة بقوله "إن الأرض كانت قاحلة، وكان على الناس أن يشغلوا أمسيات الشتاء الطويلة بحرفة توفر لهم دخلا إضافيا".
ومع انتشار "الطراز الروسي" في القرن التاسع عشر، ازداد الاهتمام بالحرف اليدوية، وتعرّفت الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا على خوخلوما. وعُرضت الأواني في المعارض الروسية والدولية، قبل أن تفوز بالجائزة الكبرى في معرض باريس العالمي عام 1889، ما جعلها تحظى بشعبية واسعة في الخارج. ومن سوق خوخلوما القريب من نيجني نوفغورود، كان التجار ينقلون الأواني عبر نهر الفولغا وميناء أرخانجيلسك إلى الأسواق الخارجية.
سرّ لا علاقة له بالذهب
إلى جانب أسطورة طائر النار، ترتبط خوخلوما بحكاية أخرى عن رسام الأيقونات أندريه لوسكوت، الذي يُقال إنه هرب إلى الغابة من إصلاحات نيكون، وواصل الرسم بالطريقة القديمة قبل أن يحرق كوخه عندما حاول الجنود القبض عليه. وربطت الحكاية بين ألوان التصميم الذهبية والحمراء والخلفية السوداء وبين صورة النار.
لكن غوشتشين ينظر إلى هذه الروايات بوصفها أساطير تهدف إلى إثارة الاهتمام بالحرفة، ويرى أن سر خوخلوما يكمن في ملاحظة الحرفيين الدقيقة للطبيعة المحيطة بهم. فقد استلهموا زخارفهم من تفاصيل البيئة المحلية، مثل تفتح زهرة الثلج، ونضج توت الروان، وأوراق الكشمش الأسود وثمارها.
وتبقى المفارقة الأكبر أن هذا "الذهب" لا يحوي ذرة ذهب حقيقية؛ فقد استخدم الحرفيون قديما الفضة ثم القصدير لإضفاء البريق، قبل أن يحل مسحوق الألومنيوم مكانهما اليوم. وكانت المواد الثمينة تُستخدم بحذر، إذ لم يكن القصدير متاحا للجميع، فكان يقتصر على المناطق التي تحتاج إلى مظهر ذهبي.
تمر صناعة القطعة بمراحل دقيقة تبدأ بخراطة الخشب وتجهيز سطحه بطبقات خاصة من زيت الكتان، ثم تغطيته بمسحوق الألومنيوم قبل الرسم والتلميع. وبعد وضع الورنيش وتعريض القطعة للحرارة في الفرن، يظهر اللون الذهبي الدافئ الذي يميز خوخلوما ويشبه لمعان العسل.
وتنقسم زخارف خوخلوما إلى أسلوبين رئيسيين: "الرسم السطحي"، حيث توضع الزخارف مباشرة فوق الخلفية الذهبية، و"رسم الخلفية"، الذي يشمل تقنية "كودرينا" ذات الخطوط النباتية المتعرجة، حيث تُرسم العناصر أولا ثم تُملأ المساحات المحيطة بها باللون الأسود أو الأحمر ليبقى الذهب ظاهرا في التصميم.
من الحرفة التقليدية إلى التقليد السياحي
توارث رسامو خوخلوما مهاراتهم جيلا بعد جيل عبر نظام التدريب المباشر، حيث يتعلم المتدربون العمل على يد حرفيين محترفين. وفي الحقبة السوفيتية، أُنشئت مصانع ومدارس متخصصة في كوفيرنينو وسيميونوف، التي أصبحت اليوم المركز الرئيسي لإنتاج خوخلوما.
لكن الحرفة واجهت تراجعا في العقد الأول من الألفية، حين انتشرت منتجات تذكارية رخيصة تحمل ألوان خوخلوما من دون الالتزام بتقنياتها الأصلية. ويشير غوشتشين إلى أن بعض المنتجات الحديثة تستخدم ألوانا دخيلة ودهانات عادية لا تخضع للمعالجة الحرارية، ما يجعلها تفقد بريقها سريعا وتبتعد عن روح الحرفة التقليدية.
ويرى الفنان أن المشكلة لا تكمن في تغير السوق وحده، بل في فقدان المعرفة بالعمل اليدوي الحقيقي، مؤكدا أن مهمة الحرفيين ليست فقط إنتاج ما يطلبه المستهلك، بل الحفاظ على الذوق الفني وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذه الحرفة.
فخوخلوما، في نظره، ليست مجرد أوانٍ خشبية مزخرفة، بل ذاكرة بصرية لقرون من الحياة الروسية؛ ذهبٌ مصنوع من الخشب، لا يحتاج إلى ذرة ذهب ليبقى ثمينا.
المصدر: Gateway to Russia
وتُعد الأواني والملاعق المزينة بأسلوب خوخلوما من أشهر رموز الحرف الروسية، وإن تحولت اليوم في الغالب إلى مقتنيات تذكارية أكثر من كونها أدوات للاستخدام اليومي.
فنّ وُلد في الغابات هربا من الاضطهاد
يعود أصل الحرفة إلى القرن السابع عشر، حين كانت الغابات الكثيفة والمستنقعات الوعرة في منطقة نوفغورود ملاذا للفلاحين والجنود الفارين. وبعد إصلاحات البطريرك نيكون التي غيّرت الطقوس الأرثوذكسية لتتماشى مع الطقوس اليونانية المعاصرة، لجأ إلى هذه المناطق أتباع "المؤمنين القدامى" الذين رفضوا الإصلاحات وتعرضوا للاضطهاد.
حمل هؤلاء معهم سرّ تذهيب وتلوين الأغطية المعدنية المزخرفة للأيقونات، ونُقلت هذه التقنية لاحقا إلى أدوات المائدة الخشبية بمساعدة حرفيين متخصصين في الخراطة والنحت.
ويصف الفنان الروسي المنحدر من عائلة من رسامي خوخلوما، نيقولاي غوشتشين، تلك الحقبة بقوله "إن الأرض كانت قاحلة، وكان على الناس أن يشغلوا أمسيات الشتاء الطويلة بحرفة توفر لهم دخلا إضافيا".
ومع انتشار "الطراز الروسي" في القرن التاسع عشر، ازداد الاهتمام بالحرف اليدوية، وتعرّفت الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا على خوخلوما. وعُرضت الأواني في المعارض الروسية والدولية، قبل أن تفوز بالجائزة الكبرى في معرض باريس العالمي عام 1889، ما جعلها تحظى بشعبية واسعة في الخارج. ومن سوق خوخلوما القريب من نيجني نوفغورود، كان التجار ينقلون الأواني عبر نهر الفولغا وميناء أرخانجيلسك إلى الأسواق الخارجية.
سرّ لا علاقة له بالذهب
إلى جانب أسطورة طائر النار، ترتبط خوخلوما بحكاية أخرى عن رسام الأيقونات أندريه لوسكوت، الذي يُقال إنه هرب إلى الغابة من إصلاحات نيكون، وواصل الرسم بالطريقة القديمة قبل أن يحرق كوخه عندما حاول الجنود القبض عليه. وربطت الحكاية بين ألوان التصميم الذهبية والحمراء والخلفية السوداء وبين صورة النار.
لكن غوشتشين ينظر إلى هذه الروايات بوصفها أساطير تهدف إلى إثارة الاهتمام بالحرفة، ويرى أن سر خوخلوما يكمن في ملاحظة الحرفيين الدقيقة للطبيعة المحيطة بهم. فقد استلهموا زخارفهم من تفاصيل البيئة المحلية، مثل تفتح زهرة الثلج، ونضج توت الروان، وأوراق الكشمش الأسود وثمارها.
وتبقى المفارقة الأكبر أن هذا "الذهب" لا يحوي ذرة ذهب حقيقية؛ فقد استخدم الحرفيون قديما الفضة ثم القصدير لإضفاء البريق، قبل أن يحل مسحوق الألومنيوم مكانهما اليوم. وكانت المواد الثمينة تُستخدم بحذر، إذ لم يكن القصدير متاحا للجميع، فكان يقتصر على المناطق التي تحتاج إلى مظهر ذهبي.
تمر صناعة القطعة بمراحل دقيقة تبدأ بخراطة الخشب وتجهيز سطحه بطبقات خاصة من زيت الكتان، ثم تغطيته بمسحوق الألومنيوم قبل الرسم والتلميع. وبعد وضع الورنيش وتعريض القطعة للحرارة في الفرن، يظهر اللون الذهبي الدافئ الذي يميز خوخلوما ويشبه لمعان العسل.
وتنقسم زخارف خوخلوما إلى أسلوبين رئيسيين: "الرسم السطحي"، حيث توضع الزخارف مباشرة فوق الخلفية الذهبية، و"رسم الخلفية"، الذي يشمل تقنية "كودرينا" ذات الخطوط النباتية المتعرجة، حيث تُرسم العناصر أولا ثم تُملأ المساحات المحيطة بها باللون الأسود أو الأحمر ليبقى الذهب ظاهرا في التصميم.
من الحرفة التقليدية إلى التقليد السياحي
توارث رسامو خوخلوما مهاراتهم جيلا بعد جيل عبر نظام التدريب المباشر، حيث يتعلم المتدربون العمل على يد حرفيين محترفين. وفي الحقبة السوفيتية، أُنشئت مصانع ومدارس متخصصة في كوفيرنينو وسيميونوف، التي أصبحت اليوم المركز الرئيسي لإنتاج خوخلوما.
لكن الحرفة واجهت تراجعا في العقد الأول من الألفية، حين انتشرت منتجات تذكارية رخيصة تحمل ألوان خوخلوما من دون الالتزام بتقنياتها الأصلية. ويشير غوشتشين إلى أن بعض المنتجات الحديثة تستخدم ألوانا دخيلة ودهانات عادية لا تخضع للمعالجة الحرارية، ما يجعلها تفقد بريقها سريعا وتبتعد عن روح الحرفة التقليدية.
ويرى الفنان أن المشكلة لا تكمن في تغير السوق وحده، بل في فقدان المعرفة بالعمل اليدوي الحقيقي، مؤكدا أن مهمة الحرفيين ليست فقط إنتاج ما يطلبه المستهلك، بل الحفاظ على الذوق الفني وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذه الحرفة.
فخوخلوما، في نظره، ليست مجرد أوانٍ خشبية مزخرفة، بل ذاكرة بصرية لقرون من الحياة الروسية؛ ذهبٌ مصنوع من الخشب، لا يحتاج إلى ذرة ذهب ليبقى ثمينا.
المصدر: Gateway to Russia





