البحوث الإسلاميَّة يوضِّح حقيقة اختلاف القراءات القرآنيَّة ويفنِّد دعوى اضطراب النَّص

  • منذ 2 ساعات
  • صوت الأمة
Loading image...
منال القاضي

واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليَّات ملتقيات (شُبُهات وردود)، التي تنظِّمها اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع في إطار برنامج (منبر الوعي)، وذلك بتوجيهات كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.

وحاضر في الملتقى الخامس -الذي عُقِد اليوم عقب صلاة المغرب في مدينة البعوث الإسلاميَّة- أ.د. محمد مصطفى علوة، عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف بمجمع البحوث الإسلاميَّة؛ إذ تناول عددًا من الشُّبهات المثارة حول القراءات القرآنيَّة، وفي مقدِّمتها: دعوى أنَّ اختلاف القراءات يمثِّل اضطرابًا أو تناقضًا في النَّص القرآني، وإنكار تواتر القراءات، والقول بأنَّ رسم المصحف هو الذي أنشأ أوجه الاختلاف في القراءة، مقدِّمًا معالجةً عِلميَّةً لهذه القضايا، في ضوء علوم القرآن وقواعد التلقِّي والرواية.

وفي مستهلِّ حديثه، قال الدكتور محمد مصطفى علوة: إنَّ من أبرز الشُّبهات التي أُثيرت قديمًا وحديثًا حول القرآن الكريم: الاستدلال باختلاف القراءات القرآنيَّة على وجود اختلاف أو اضطراب في النَّص، وربط ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، مشيرًا إلى أنَّ هذه الشبهة ليست جديدة؛ وإنما ناقشها علماء المسلمين قديمًا، ومنهم ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن).

وبيَّن الدكتور علوة أنَّ أساس الرد على هذه الشبهة يقوم على التمييز بين اختلاف التنوُّع واختلاف التضاد؛ فالقراءات القرآنيَّة الصحيحة لا تتناقض فيما بينها، وإنما تمثِّل أوجهًا متنوِّعة في الأداء واللفظ والدلالة، ثبتت عن النبي ﷺ بطريق التلقِّي والرواية، وقد يترتَّب على تعدُّدها اتِّساعٌ في المعنى وإثراءٌ للدلالة، دون أن يؤدِّي ذلك إلى اضطراب في النَّص أو تعارُض في مضمونه.

ولفت عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف إلى أنَّ تعدُّد الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم جاء في إطار التيسير على الأمَّة في تلاوة كتاب الله وحفظه، وأنَّ ما صحَّ من القراءات القرآنيَّة ليس نتاج اجتهادات القرَّاء أو اختياراتهم الشخصيَّة؛ وإنما هو مما تلقَّته الأمَّة بالقبول والرواية، وانتقل من جيل إلى جيل بالسماع والمشافهة، وهو ما يفرِّق بين القراءة القرآنيَّة الثابتة وبين أيِّ وجه لُغوي أو اجتهاد بشري في قراءة النَّص.

وأشار إلى أنَّ تعدُّد القراءات يمكن أن يكشف عن تكامل دلالي لا عن تناقض؛ إذ قد تؤدِّي القراءة إلى إظهار معنًى أو دلالة لا تظهر بالوجه الآخر، فتتضافر القراءات في بيان المعنى وتوسيعه، مؤكِّدًا أنَّ هذا التنوُّع في وجوه الأداء لم يكن مدخلًا إلى تحريف النَّص القرآني أو اضطرابه؛ بل كان من مظاهر دقَّة الرواية وعناية المسلمين بحفظ القرآن الكريم؛ إذ ظلَّ أصل النَّص محفوظًا، وتناقلته الأمَّة أداءً ولفظًا وضبطًا، ولم تكُن القراءات قائمةً على تغيير بنية القرآن أو إنشاء نصوص متباينة، وإنما على أوجه صحيحة ثابتة في النقل.

وانتقل فضيلته إلى شبهة إنكار تواتر القراءات القرآنيَّة، موضِّحًا أنَّ التواتر في اصطلاح علماء الرواية هو: «نقل الجمع الكثير عن الجمع الكثير، على وجهٍ تحيل معه العادة تواطؤهم على الكذب، من أوَّل السند إلى منتهاه»، مبيِّنًا أنَّ نقل القرآن اعتمد أساسًا على التلقِّي والمشافهة، وتلقَّاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، ثم حمله عنهم التابعون، وتناقله أهل كلِّ عصر ومصر؛ بما حقَّق له صفة الثبوت والانتشار في الأمَّة.

وأوضح الدكتور علوة أنَّ الاعتماد على المشافهة والتلقِّي من أهم خصائص عِلم القراءات؛ فالقراءة لا تُستمدُّ من النظر في المصحف وحده، وإنما تُؤخذ بالسماع والأداء عن أهل الإتقان، لافتًا إلى أنَّ أئمَّة القراءات والتحقيق قرَّروا ثبوت القراءات المعتبَرة بالنقل المستفيض، ومنهم: ابن الجزري، وغيره من أئمَّة هذا الفن.

وتناول عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشبهة القائلة بأنَّ اختلاف القراءات نشأ بسبب خلوِّ المصاحف الأولى من النقط والشكل، أو بسبب طبيعة الرسم العثماني الذي يحتمل أكثر من وجه في بعض الكلمات؛ موضِّحًا أنَّ هذه النظرة تقلب العَلاقة بين الرسم والقراءة؛ فالقراءة الصحيحة لم تنشأ من محاولة قراءة الرسم العثماني المجرَّد؛ وإنما ثبتت أولًا بالتلقِّي عن النبي ﷺ، ثم جاء الرسم العثماني موافقًا لما ثبت من وجوه القراءة، مستوعبًا الأوجه التي تحتملها حروفه.

وشدَّد على أنَّ الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكونوا يتعاملون مع رسم المصحف بوصفه مصدرًا مستقلًّا لإنشاء القراءات، وإنما كانوا أهل تلقٍّ وحفظ وسماع، وأنَّ لجنة كتابة المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه كانت حريصة على أن تكتب ما استقرَّ عند الصحابة من القرآن الكريم، بما يوافق ما تلقَّوه عن رسول الله ﷺ، مؤكِّدًا أنَّ الرسم العثماني كان عاملًا في حفظ وجوه الأداء الثابتة، وليس منشئًا لها.

واختتم الدكتور محمد مصطفى علوة بتأكيد أنَّ دراسة القراءات القرآنيَّة لا تستقيم بمعزل عن علوم القرآن وأصول الرواية والتلقِّي، وأنَّ النظر إليها من خلال الرسم وحده أو مقارنة الألفاظ بصورة مجرَّدة قد يقود إلى تصوُّرات غير دقيقة؛ داعيًا إلى التعامل مع هذا العلم وَفق أصوله التي وضعها أئمَّة القراءات، والتمييز بين التنوُّع المنقول الذي يثري الدلالة، وبين التناقض الذي يستلزم التعارض، وهو ما يكشف عن دقَّة المنهج الذي صان به المسلمون كتاب الله تعالى لفظًا وأداءً ونقلًا.

وتأتي هذه الملتقيات في إطار جهود مجمع البحوث الإسلاميَّة لترسيخ الوعي الدِّيني الرشيد، وتحصين الشباب من الشُّبهات والمفاهيم المغلوطة، من خلال تقديم معالجة علميَّة رصينة لما يُثار حول القرآن الكريم وعلومه، تستند إلى أصالة المنهج الأزهري، ودقَّة النقل، وقواعد التحقيق العلمي؛ بما يُسهِم في بناء وعيٍ قادر على فهم القضايا المتعلِّقة بالقرآن الكريم وعلومه بعيدًا عن القراءات المجتزأة أو الأحكام المبنيَّة على تصوُّرات غير دقيقة.

إقرأ الخبر الكامل من المصدر