هالوين في إيران.. احتفالات شبابية رغم الحظر تكشف حدود القيود الاجتماعية

Loading images...
شهدت مدن إيرانية عدة، خلال الأيام الأخيرة، مظاهر احتفال بمناسبة هالوين، الذي يصادف 31 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، رغم إعلان السلطات حظر تنظيم الفعاليات المرتبطة به في الأماكن العامة والوحدات التجارية.
وأظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي مشاركة مجموعات من الشباب في طهران ومدن أخرى، من خلال ارتداء الأزياء التنكرية ووضع الأقنعة والرسومات على الوجوه وتزيين السيارات، فيما أفادت تقارير بوقوع مواجهات بين محتفلين وقوات بملابس مدنية في أحد شوارع العاصمة.
وبحسب الإعلام الإيراني، أعلنت غرفة أصناف إيران، في 29 أكتوبر/تشرين الأول، منع تنظيم أي مراسم أو احتفالات أو تجمعات مرتبطة بهالوين في الأماكن العامة والوحدات التجارية، كما شمل القرار الدعاية للمناسبة وبيع المنتجات والأدوات المرتبطة بها.

وحذرت الغرفة من أن المقاهي والمطاعم ومراكز الضيافة التي تخالف القرار ستواجه الإغلاق والإحالة إلى الجهات القضائية، مبررة هذه الإجراءات بما وصفته "حماية الشؤون الثقافية والدينية والاجتماعية للبلاد".
وجاء القرار بعد يوم من تقارير عن إلغاء برامج وفعاليات كانت مقررة في عدد من المقاهي والمراكز الفنية.
وأعلن مقهى "إيزل" في أصفهان ومجمع "عمارت مادام وموسيو" إلغاء احتفالات هالوين، فيما أُلغيت ورشة عمل فنية مرتبطة بالمناسبة بسبب القيود المفروضة على تنظيمها.

وامتدت الإجراءات إلى القطاع السياحي، إذ أعلنت إدارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في مدينة آران وبيدغول بمحافظة أصفهان منع تنظيم احتفالات هالوين في المنشآت السياحية ومراكز الإقامة.
كما حذرت من تنظيم الجولات الجماعية والرحلات الصحراوية وأنشطة السفاري من دون الحصول على التراخيص اللازمة، ملوحة بإغلاق المنشآت المخالفة أو إلغاء تراخيصها.
وأعلنت الجهات المعنية أيضا تشديد الرقابة على الإعلانات المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والأنشطة السياحية في المناطق الصحراوية.

احتفالات في الشوارع ومواجهات في طهران
ورغم هذه الإجراءات، أظهرت صور ومقاطع فيديو نُشرت في 29 أكتوبر/تشرين الأول مشاركة مجموعات من الشباب في الاحتفالات بالعاصمة طهران ومدن شيراز ومشهد وبوشهر.
وظهر مشاركون بأزياء تنكرية وأقنعة ومكياج يحاكي الشخصيات المرعبة المرتبطة بالمناسبة، كما ظهرت سيارة مزينة بعناصر كبيرة خاصة بهالوين وهي تجوب شوارع العاصمة.
وفي طهران، برزت منطقة إيرانشهر باعتبارها إحدى أبرز نقاط تجمع الشباب، حيث انتشرت صور لمجموعات من المشاركين بأزياء ووجوه مرسومة بطريقة خاصة بالمناسبة، في مشهد يعكس استمرار حضور هذه الاحتفالات في الفضاء العام رغم التحذيرات الرسمية.

وبحسب موقع "إيران واير"، تحولت الاحتفالات في شارع إيرانشهر، مساء الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول، إلى مواجهات بعد تدخل عناصر من قوات الأمن بملابس مدنية وعناصر من قوات الباسيج لتفريق التجمعات.
ونقل الموقع عن شهود عيان قولهم إن أعدادا كبيرة من العناصر الملثمين، بعضهم كان يحمل العصي والهراوات، انتشرت في الشارع واعتدت على عدد من الموجودين.
وأضاف الشهود أن العناصر أغلقت الطريق وأجبرت المقاهي على إخلاء زبائنها وإغلاق أبوابها، كما اعترضت على ملابس المشاركين والرسومات التي وضعوها على وجوههم، قبل أن تعمل على تفريق التجمعات بالقوة.
وتأتي هذه المواجهات في وقت تحولت فيه منطقة إيرانشهر خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الوجهات المعروفة في العاصمة، بسبب كثافة المقاهي والمطاعم واستقطابها أعدادا كبيرة من الشباب، فضلا عن كونها مساحة تشهد حضورا لنساء لا يلتزمن بالحجاب الإلزامي.

هالوين بين القيود الرسمية والتحولات الاجتماعية
ويحتفل بهالوين سنويا في 31 أكتوبر/تشرين الأول، وتعود جذوره إلى تقاليد أوروبية قديمة، قبل أن يتحول إلى مناسبة ثقافية وترفيهية وتجارية واسعة الانتشار في دول عديدة.
وتشمل مظاهره ارتداء الأزياء التنكرية والأقنعة، وتزيين المنازل والمحال بالقرع المجوف والرموز المرعبة، وتنظيم الحفلات والفعاليات الترفيهية.
وفي إيران، أخذت هذه المناسبة خلال السنوات الماضية تجد طريقها إلى أوساط من الشباب كنوع من التمرد على القيم الحكومية، خصوصا في المدن الكبرى، من خلال المقاهي والمراكز الترفيهية والمتاجر وشبكات التواصل الاجتماعي.

ولم يعد الاهتمام بها مقتصرا على تنظيم الحفلات، بل امتد إلى بيع الملابس والأقنعة والزينة والمنتجات المرتبطة بها.
وتكشف أحداث هالوين هذا العام عن التباين بين القيود الرسمية المفروضة على بعض المظاهر الثقافية والترفيهية وبين خيارات قطاعات من الشباب الذين يتجهون إلى تبني مناسبات وأنماط احتفال منتشرة عالميا.
كما أن انتقال الاحتفالات من الأماكن المغلقة إلى الشوارع، رغم التهديدات الرسمية، جعل المناسبة تتجاوز إطارها الترفيهي لتصبح مؤشرا على التوتر القائم بين السلطات وقطاعات من المجتمع بشأن الحريات الاجتماعية وأنماط الحياة.
وعلى الرغم من وجود تشريعات وتعليمات رسمية تفرض قيودا على هذه الأنشطة، فإن تطبيقها لا يجري دائما بالدرجة نفسها من التشدد، بل يتفاوت بحسب الظروف والمصالح والحسابات السياسية والأمنية.
ويبدو أن السلطات لا ترغب، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة والتوتر مع الولايات المتحدة والتحديات السياسية والأمنية الداخلية، في فتح جبهات اجتماعية إضافية تزيد من حالة الاحتقان.

ويمكن ملاحظة هذا التفاوت أيضا في ملف الحجاب الإلزامي؛ فعلى الرغم من استمرار القوانين السابقة التي تفرضه، لم يُفعّل القانون الجديد المعروف باسم "قانون العفاف والحجاب" بعد أن أوقف المجلس الأعلى للأمن القومي إجراءات إبلاغه وتنفيذه، فيما استمرت بعض أشكال الرقابة والتضييق، بما فيها إغلاق منشآت تجارية بسبب مخالفات مرتبطة بالحجاب.
وفي المقابل، شهدت بعض المدن فترات من التراجع النسبي في مستوى التدخل المباشر ضد النساء غير المحجبات خاصة بعد الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التعامل مع هالوين باعتباره مثالا آخر على المرونة النسبية والانتقائية في تطبيق القيود الاجتماعية، وليس تخليا عنها.
فبينما تصدر السلطات قرارات بالمنع والتهديد بالإغلاق والملاحقة القضائية، تستمر الاحتفالات في بعض الشوارع والمناطق، وإن كانت عرضة للتدخل الأمني عندما تتسع التجمعات أو تتحول إلى نشاط علني.

ويعكس هذا النهج محاولة من جانب النظام للموازنة بين الحفاظ على القيود الأيديولوجية والاجتماعية التي يقوم عليها وبين تجنب توسيع دائرة المواجهة مع المجتمع في مرحلة تتراكم فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
غير أن أحداث إيرانشهر بطهران تظهر أن هذه المرونة تبقى محدودة ومتغيرة، وأنها لا تحول دون التدخل الأمني عندما تقرر السلطات فرض القيود بالقوة.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر